فخر الدين الرازي
56
المطالب العالية من العلم الإلهي
وتكذيبه . فهذا هو الذي قلناه . وزعمنا : أن هذا الأمر في الحقيقة : أمر بالمحال ، الذي لا يمكن إيقاعه . وأما السؤال الخامس : وهو قوله : « الإيمان في نفسه من الجائزات « 1 » فلو صار محالا بسبب العلم : يكون « 2 » الشيء الواحد : ممكنا محالا » فجوابه : إنه لا امتناع في كون الشيء الواحد : جائزا لذاته ، ممتنعا لسبب منفصل . ألا ترى أن الممكن : ممكن لذاته ، واجب عند حضور علة وجوده ، ممتنع عند عدم سبب وجوده . فكذا هاهنا . وأما بقية الوجوه : فهي شبهات « 3 » يذكرونها في أن الأمر بالمحال ، لا يجوز . لكنا بينا : أن هذا المعنى واقع . لأنه يخلق الدواعي إلى الكفر في حق الكافر ، ثم يأمره بالإيمان . وما ذاك إلا تكليف ما لا يطاق . وأما الوجوه السمعية التي عولوا عليها : فهي قابلة للتأويل . وما ذكرناه من الدلائل لا يقبل التأويل . فكان الترجيح من جانبنا . قلنا : جوابهم الأول . وهو قولهم : « خطأ قول من يقول : إن وقوع ما علم اللّه أنه لا يقع : يدل على انقلاب علم اللّه جهلا ، وخطأ قول من يقول : إنه لا يدل » : فضعيف . وذلك لأنهم إن أرادوا أن كلا النقيضين باطل في نفس الأمر . فهذا لا يقوله عاقل . وإن أرادوا به أن أحدهما حق ، ولكن لا ينطقون به [ ولا يتلفظون به « 4 » ] فهذا مسلم . إلا أن إلزامنا غير مبني على نطقهم ، ولا على لفظهم وعبارتهم . فإنا لما بينا أنه تعالى إذا علم أنه لا يؤمن . فلو آمن ذلك الشخص . فإن على هذا التقدير ، لم يكن علمه مطابقا للمعلوم . ولا معنى للجهل إلا هذا . فثبت منه : أنه يلزم انقلاب علم اللّه جهلا . ولما كان هذا محالا ، وجب أن يكون ذلك محالا لأن المؤدي إلى المحال محال
--> ( 1 ) الجائز ( م ) . ( 2 ) كون ( ط ) . ( 3 ) شهادة ( م ) . ( 4 ) سقط ( ط ) .